فجوات تحتاج إصلاحا… الصحة والسلامة المهنية في قانون العمل الجديد

تتناول هذه الورقة بالتحليل النقدي الباب الخاص بالسلامة والصحة المهنية في قانون العمل المصري الجديد رقم 14 لسنة 2025، وذلك عبر مقارنته بالمعايير والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، خاصة اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 155 الخاصة بالسلامة والصحة المهنية، والاتفاقية رقم 187 الخاصة بالإطار الترويجي للصحة والسلامة المهنية.

يأتي القانون الجديد في سياق محاولة تحديث التشريعات العمالية بعد عقدين من صدور القانون السابق رقم 12 لسنة 2003. وقد خصّص القانون الجديد أبوابًا وفصولًا لتناول قضايا السلامة والصحة المهنية، متضمنًا التزامات أصحاب الأعمال بتأمين بيئة العمل من المخاطر، وإلزامهم بإجراء الفحوص الطبية الدورية للعمال، وتوفير أجهزة الوقاية، والتدريب، فضلًا عن منح السلطات المختصة صلاحيات في التفتيش وإيقاف العمل مؤقتًا عند وجود خطر داهم.

غير أن التحليل يكشف عن فجوة واضحة بين النصوص القانونية والمعايير الدولية. فمن ناحية، نجد أن القانون يركز على المسؤوليات الشكلية لأصحاب الأعمال دون أن يضمن مشاركة العمال بفعالية في صياغة سياسات السلامة، كما أن العقوبات الواردة ضعيفة وغير رادعة، وتغيب نصوص تضمن حق العامل في الامتناع عن أداء عمل يعرّض حياته لخطر جسيم، وهو حق مكفول دوليًا. يضاف إلى ذلك أن القانون لم يدمج البعد البيئي والمخاطر المرتبطة بالتغير المناخي في سياسات السلامة، في حين أن الاتجاه العالمي بات يدمج بين الصحة المهنية والبيئة.

تهدف هذه الورقة إلى إبراز نقاط القوة والضعف في القانون، والكشف عن الثغرات الجوهرية فيه، مع تقديم رؤية نقدية تنطلق من منظور يضع العامل وصحته وكرامته في صميم التشريع، لا مجرد طرف سلبي في علاقة العمل.

المقدمة

تُعتبر قضايا السلامة والصحة المهنية إحدى الركائز الأساسية في علاقة العمل، ليس فقط بوصفها التزامًا قانونيًا أو مسؤولية اجتماعية، وإنما باعتبارها شرطًا لبقاء العامل وحماية حياته وحقه في بيئة عمل آمنة. فالعامل الذي يتعرض يوميًا لمخاطر الإصابات، أو الأمراض المهنية، أو الحوادث الكبرى، هو في الحقيقة يقف على خط المواجهة الأول مع الخلل في السياسات والتشريعات العمالية.

منذ تأسيس منظمة العمل الدولية في بدايات القرن العشرين، احتلت قضايا السلامة والصحة المهنية موقعًا بارزًا في اتفاقياتها وتوصياتها، وعلى رأسها الاتفاقية رقم 155 لعام 1981 التي وضعت الأسس العامة لسياسات وطنية متكاملة في مجال الوقاية من الأخطار المهنية، والاتفاقية رقم 187 لعام 2006 التي دعت إلى تطوير إطار ترويجي شامل يعزز ثقافة السلامة والوقاية. هذه المعايير تؤكد على ضرورة إشراك العمال وأصحاب الأعمال والدولة في وضع سياسات متوازنة، تضمن الحماية الفعلية للعاملين، لا مجرد النصوص الشكلية.

في مصر، ارتبطت التشريعات العمالية تاريخيًا بمسألة التوازن بين مصالح رأس المال وحقوق العمال. ومع صدور قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، أُعلن أنه يمثل نقلة نوعية مقارنة بالقانون السابق (رقم 12 لسنة 2003). فقد حاول القانون الجديد أن يضع قواعد أكثر وضوحًا في مجال السلامة والصحة المهنية، لكنه في الوقت نفسه أعاد إنتاج الكثير من أوجه القصور البنيوية.

تسعى هذه الورقة إلى دراسة الباب الخاص بالسلامة والصحة المهنية في القانون الجديد دراسة نقدية، عبر ثلاثة محاور أساسية:

  • عرض وتحليل أهم النصوص الواردة في القانون.
  • مقارنتها بالمعايير الدولية واتفاقيات منظمة العمل الدولية.
  • الكشف عن الثغرات الجوهرية واقتراح رؤية بديلة تضع العامل في قلب العملية التشريعية.

لتحميل الورقة

فجوات تحتاج إصلاحًا في قانون العمل

الاصدارات الاخري