“اين الزيادة في الأجور في تلك الحزمة ؟ كان تساؤل لاحد العمال لي في معرض حديث حول الانتخابات النقابية المقبلة و عندما هممت بالإجابة لم اجد سوي وعد بالزيادة الحزمة الاجتماعية فلم اجد لا قيمة ولا توقيت لها بل انه لم يستدعي حتي المجلس القومي للأجور للاجتماع و عندما افصحت للعامل لذلك استدرك قائلا حليلي بقه لما يقروا الزيادة تكون الأسعار ضعف اللي احنا فيه ” في الواقع لا يقرأ المواطن المصري المؤشرات الاقتصادية عبر جداول الأرقام الصادرة عن البنك المركزي المصري أو تقارير وزارة المالية المصرية بل يترجمها مباشرة إلى أسعار السلع وقدرته اليومية على الشراء وفي هذا الشتاء الاقتصادي الذي يبدو دافئًا على مستوى القرارات لكنه بارد الأثر على المعيشة تجد الحكومة نفسها عند مفترق طرق معقد تحاول فيه عمل توازن بين توسيع مظلة الحماية الاجتماعية كاستجابة عاجلة للضغوط المعيشية وبين الحفاظ على الاستدامة المالية باعتبارها شرطً ضروري للاستمرار في مسار برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع المؤسسات الدولية.
فالحكومة اعلنت عن حزمة اجتماعية استثنائية تتجاوز قيمتها 40.3 مليار جنيه تهدف إلى تخفيف العبء عن كاهل ملايين الأسر في توقيت دقيق تتصاعد فيه ضغوط المعيشة لكن بمجرد النظر الي الصورة العامة يظهر وضع مغاير تماما وضع يتحدث عن ضرورة جمع السيولة من جيوب المواطنين أنفسهم عبر أداة مالية جديدة سميت “سند المواطن” بعائد مغري ظاهرياً لكنه في جوهره يعكس حاجة ملحة لتمويل عجز الموازنة وإدارة استحقاقات الدين المتراكمة وهنا تكمن المفارقة وهي كيف تعلن الحكومة عن خطة لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي وفي الوقت ذاته تطلق أدوات استدانة جديدة من الجمهور؟ وكيف توفر حماية اجتماعية في ظل أزمة ديون تتعمق فوائدُها لتلتهم نحو 92% من الإيرادات العامة؟
لا تقف الإشكالية عند هذا الحد من التناقض الداخلي بين “الإنفاق” و”التمويل” بل يمتد المشهد ليشمل متغيرات أعادت ترتيب أولويات السوق المالي فبينما اطلقت الحكومة سند المواطن كانت أسواق الصرف تشهد موجة تصاعية جديدة للدولار الأمريكي متجاوزاً حاجز 48 جنيهاً في البنوك التجارية بالتوازي مع تقارير رسمية أكدت خروج نحو 1.12 مليار دولار من محافظ “الأموال الساخنة” الاستثمارية ,هذه المتغيرات كانت إشارة تحذيرية حول هشاشة الاعتماد على التمويل قصير الأجل ومدى تأثر القرار الاقتصادي المحلي بتقلبات المزاج الاستثماري العالمي والتوترات الجيوسياسية في المنطقة كما رصدت تقارير العربية بيزنس.
إن التقاء هذه الخطوط الثلاثة الحزمة الاجتماعية كـ”مسكن” وسند المواطن كـ”أداة تمويل” وضغط الدولار والأموال الساخنة كـ”مخاطر خارجية” يخلق مشهد اقتصادي معقد يتطلب وقفة تحليلية تتجاوز التبريرات الرسمية إلى فحص الآثار الحقيقية على الأرض ,فالسؤال لم يعد فقط عن مدى كفاية الـ 400 جنيه الإضافية للأسرة أو عن جاذبية عائد الـ 17.75% للمدخر بل السؤال الأعمق يدور حول “الثقة” و”العدالة” هل نحن أمام خطة متكاملة تنتشل الاقتصاد من دائرة العجز الهيكلي؟ أم أننا نشهد محاولة لإدارة أزمة سيولة عبر إعادة تدوير مدخرات المواطنين لتمويل عجز الموازنة بينما تظل الأسباب الجذرية للأزمة من تراجع الإنتاجية واختلال ميزان المدفوعات بعيدة عن نطاق المعالجة الجذرية؟
في هذا التقرير نحاول فك تشابك هذه الملفات المتداخلة ليس من خلال الأرقام فقط بل من خلال قراءة تأثيرها على الواقع المعيشي
لتحميل التقرير
تقاطع المسارات ....سندالمواطن للـ الحزمة الاجتماعية في ظل خروج الأموال الساخنة وصعود الدولار





















